ابو القاسم عبد الكريم القشيري
71
لطائف الإشارات
لأن هذا استهلاك محدود في محدود . فسيّان - في قدرته « 3 » - العرش والبعوضة ، فلا خلق العرش أشق وأعسر ، ولا خلق البعوضة أخف عليه وأيسر ، فإنه سبحانه متقدّس عن لحوق العسر واليسر . فإذا كان الأمر بذلك الوصف ، فلا يستحى أن يضرب بالبعوضة مثلا كما لا يستحى أن يضرب بالعرش - فما دونه - مثلا . وقيل إن جهة ضرب المثل بالبعوضة أنها إذا جاعت فرّت « 1 » وطارت ، وإذا شبعت تشققت فتلفت كذلك ( إِنَّ الْإِنْسانَ لَيَطْغى أَنْ رَآهُ اسْتَغْنى ) . وقيل ما فوقها يعنى الذباب ، وجهة الإشارة فيه إلى وقاحته ، حتى إنه ليعود عند البلاغ في الذب ، ولو كان ذلك في الأسد لم ينج منه أحد من الخلق ، ولكنه لمّا خلق القوة في الأسد خلق فيه تنافرا من الناس ، ولمّا خلق الوقاحة في الذباب خلق فيه الضعف ، تنبيها منه سبحانه على كمال حكمته ، ونفاذ قدرته . قوله جل ذكره : فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ ، وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ ما ذا أَرادَ اللَّهُ بِهذا مَثَلًا . فأمّا من فتحت أبصار سرائره فلا ينظر إلى الأغيار والآثار إلا بنظر الاعتبار ، ولا يزداد إلا نفاذ الاستبصار . وأمّا الذين سكرت أبصارهم بحكم الغفلة فلا يزيدهم ضرب الأمثال إلا زيادة الجهل والإشكال والأنكال . قوله جل ذكره : يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً وَما يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفاسِقِينَ . هذا الكتاب لقوم شفاء ورحمة ، ولآخرين شقاء وفتنة . فمن تعرّف إليه يوم الميثاق بأنوار العناية حين سمعوا قوله : « أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ » تذكّروا عند ورود الواسطة - صلوات اللّه عليه وعلى آله - قديم عهده ، وسابق ودّه فازدادوا بصيرة على بصيرة ، ومن رسمه بذلّ القطيعة ، وأنطقه ذلك اليوم عن الحسبان والرهبة ما ازدادوا عند حصول الدعوة
--> ( 1 ) وردت ( فريت ) وهي خطأ في النسخ . ( 3 ) وردت ( قدرة ) .